تُعدّ قصة العالم الأمريكي توماس ميدغلي الابن واحدة من أكثر القصص العلمية إثارة للجدل في القرن العشرين، إذ أسهمت اكتشافاته في تقدم الصناعة والعلوم، لكنها في الوقت نفسه تسببت في مآسٍ بشرية وبيئية امتدت لعقود.
ميدغلي، المهندس الميكانيكي والكيميائي الذي عمل في شركة جنرال موتورز في عشرينات القرن الماضي، ابتكر مركّب رباعي إيثيل الرصاص كمادة مضافة للبنزين لمنع ظاهرة الطرق في المحركات وتحسين الأداء، ورغم معرفة المجتمع العلمي آنذاك بخطورة الرصاص على الجهاز العصبي، تم تسويق المنتج على نطاق واسع تحت الاسم التجاري “إيثيل” من دون الإشارة إلى مكوّنه السام، وفقا لموقع leravi.org.
في عام 1924، شهد مصنع في نيوجيرسي حادثة مأساوية أودت بحياة خمسة عمال وأصابت العشرات بالتسمم، لكن ذلك لم يمنع الشركات المنتجة من الاستمرار في الترويج للمادة عالمياً.
وبعد عقود، كشف الجيوكيميائي كلير باترسون عن حجم الكارثة حين لاحظ أثناء أبحاثه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا تلوثاً واسعاً بالرصاص في عينات الأرض والغلاف الجوي، ما دفعه إلى ابتكار “غرفة النظافة” الحديثة لتفادي أي تلوث في التجارب العلمية.
أظهرت دراساته اللاحقة أن مستويات الرصاص في البيئة ارتفعت بشكل هائل منذ اعتماد البنزين المرصّص، وأن الإنسان الحديث يحمل في عظامه كميات من الرصاص تفوق أضعاف ما كان عليه الحال لدى الأجيال القديمة. هذه النتائج أدت إلى تشديد التشريعات البيئية في الولايات المتحدة والعالم، وصدور قانون الهواء النظيف الذي قضى تدريجياً على استخدام البنزين المرصّص في السبعينات.
تُقدّر الأبحاث الحديثة أن أكثر من نصف الأمريكيين تعرضوا في طفولتهم لنسب مرتفعة من الرصاص، ما تسبب في فقدان جماعي يتجاوز 800 مليون نقطة ذكاء، فضلاً عن ارتباط التعرض المزمن لهذا العنصر بارتفاع معدلات أمراض القلب والوفاة المبكرة.
