قضت المحكمة المدنية في دبي بإشهار إعسار مدين عربي بعد ثبوت تراكم ديون مالية في ذمته بلغت 967,761 درهماً إماراتياً، وعجزه التام عن الوفاء بها، وذلك في ضوء ما انتهت إليه المحكمة من دراسة تفصيلية لوضعه المالي وعدم امتلاكه أصولاً أو ممتلكات قابلة للتنفيذ يمكن من خلالها سداد المديونية. وجاء الحكم استناداً إلى أحكام قانون إعسار الأشخاص الطبيعيين، وبعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المتعلقة بتدقيق الديون وحصر الأموال وتقييم القدرة الفعلية للمدين على السداد.
وأوضحت أوراق الدعوى أن الدين الأكبر المستحق في ذمة المدين بلغ 934,350 درهماً لصالح أحد الأفراد، وذلك بناءً على سند تنفيذي سابق صدر بحقه وثبتت صحته أمام أمين الإعسار، في حين بلغ الدين الثاني 33,411 درهماً لصالح شركة اتصالات عاملة في الدولة، وهو دين مثبت عبر تقارير معلومات ائتمانية رسمية. وبعد مراجعة المستندات المقدمة من الدائنين والتأكد من سلامتها القانونية، تم اعتماد هذين الدينين بوصفهما الديون النهائية المستحقة في ذمة المدين دون إضافة مطالبات أخرى.
وبيّنت إجراءات التدقيق أن أمين الإعسار قام بحصر شامل لأموال المدين وممتلكاته، وتبين عدم امتلاكه أي عقارات أو مركبات أو حصص في شركات أو أسهماً أو رخصاً تجارية، كما لم يثبت وجود حسابات مالية أو أصول يمكن التنفيذ عليها، الأمر الذي أكد للمحكمة أن الاستمرار في إجراءات التصفية لن يحقق أي حصيلة مالية يمكن توزيعها على الدائنين. وخلصت المحكمة إلى أن واقع انعدام الأصول، إلى جانب حجم المديونية الثابتة، يمثل حالة إعسار حقيقية وليست مؤقتة أو قابلة للمعالجة عبر تسويات جزئية.
وبناءً على ذلك، أصدرت المحكمة حكمها بإشهار إعسار المدين وإنهاء إجراءات الإعسار، مع اعتماد قائمة الديون كما تم تدقيقها رسمياً. كما تضمن الحكم مجموعة من الآثار القانونية المباشرة، أبرزها منع المدين من السفر خارج الدولة وإخطار الجهات المختصة في المنافذ لتنفيذ القرار فوراً، إضافة إلى منعه من الحصول على قروض أو تمويلات جديدة ومنعه من الدخول في التزامات مالية جديدة لمدة ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ صدور الحكم، مع استثناء المصروفات الضرورية المتعلقة بالمعيشة الأساسية له ولمن يعولهم.
وشمل الحكم كذلك إخطار شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية بقيد اسم المدين في سجل المعسرين، بما يترتب عليه من آثار ائتمانية تتعلق بتصنيفه المالي، فضلاً عن تكليف أمين الإعسار بنشر منطوق الحكم في صحيفتين محليتين إحداهما باللغة العربية والأخرى باللغة الإنجليزية، وإعادة المستندات التي كانت بعهدته إلى المدين بعد انتهاء الإجراءات، وتقديم تقرير ختامي يوضح الأتعاب والمصروفات المتعلقة بمهمة الإعسار.

وأوضح المستشار القانوني المتخصص في قضايا الإعسار والإفلاس الدكتور علاء نصر، الممثل القانوني للمدين، أن قانون إعسار الأشخاص الطبيعيين في دولة الإمارات يُعد من أهم التشريعات الحديثة التي أسهمت في إيجاد مظلة قانونية متوازنة تعالج التعثر المالي للأفراد بأسلوب منظم وشفاف، حيث يوفر إطاراً قضائياً واضحاً لإعادة ترتيب الأوضاع المالية ومنح المدين فرصة حقيقية للانطلاق من جديد ضمن ضوابط قانونية دقيقة، مشيراً إلى أن من أبرز مزايا هذا القانون أنه يضع آلية رسمية لتدقيق الديون وحصرها بشكل عادل، ويمنع تضارب المطالبات الفردية ويحولها إلى مسار قضائي واحد يحقق المساواة بين الدائنين، إضافة إلى إتاحة فترة حماية قانونية تُمكّن الشخص المتعثر من استعادة توازنه المالي بعيداً عن الضغوط الفورية التي قد تعرقل استقراره الأسري والمهني.
وأضاف الدكتور علاء نصر أن التشريع يمنح القضاء أدوات فعالة لتنظيم الإجراءات ومراقبة السلوك المالي للمدين، مع وجود أمين إعسار مختص يتولى دراسة الوضع المالي بصورة مهنية، الأمر الذي يعزز الثقة في عدالة الإجراءات ويحد من الاجتهادات الفردية. كما لفت إلى أن القانون يسهم في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي عبر تمكين الأفراد من معالجة أوضاعهم المالية بوسائل قانونية حضارية، ويشجع على الشفافية والإفصاح المالي، ويعزز بيئة قانونية متطورة تتماشى مع أفضل الممارسات الدولية في إدارة التعثر المالي للأفراد، بما يرسخ مكانة الدولة كنموذج تشريعي متقدم في حماية التوازن بين الحقوق والواجبات وتحقيق الاستقرار المالي للمجتمع.
