مدين يتهرب من السداد والمحكمة تعوض الدائن بـ85 مليون درهم

أصدرت المحكمة دبي التجارية حكماً بعدم نفاذ سلسلة من التصرفات التي أجراها مدين بنقل حصصه وشركاته إلى شخص آخر، بعدما ثبت للمحكمة أن هذه التصرفات أضرت بحقوق الدائنين وأخلّت بالضمان العام المقرر للوفاء بالديون، كما قضت المحكمة بإلزام المدعى عليهم بالتضامن بسداد تعويض قدره 85 مليون درهم للدائن.

وتعود وقائع الدعوى إلى مطالبة عدد من الدائنين بعدم نفاذ تصرفات قالوا إنها تمت بصورة صورية بهدف تهريب أصول مدين صدر ضده حكم سابق ألزم بسداد مبلغ 25.428 مليون درهم، إضافة إلى الفائدة القانونية. وأوضح المدعون أن المدين، وبعد مباشرة إجراءات التنفيذ ضده، عمد إلى نقل حصصه وأصوله في عدد من الشركات إلى شخص آخر، بما حال دون تمكنهم من استيفاء حقوقهم.

وشملت التصرفات محل النزاع نقل نسبة 24% من حصص إحدى شركات التطوير العقاري إلى المدعى عليه الثاني، ثم تسجيل ونقل حصة إضافية قدرها 26% في الشركة ذاتها باسمه، بما أوصل ملكيته فيها إلى 50%. كما امتدت التصرفات إلى نقل كامل الحصص التي كان يملكها المدين في شركة تطوير عقاري أخرى، فضلاً عن نقل كامل حصصه في شركتين مسجلتين في جزر العذراء البريطانية، وشركة استثمارية مرتبطة بهما. كذلك طعن المدعون في تصرفات تتعلق بشركة تملك مطعماً معروفاً، وشركة مدنية لخدمات إدارة المنشآت.
وخلال نظر الدعوى، قدم المدعون حزمة كبيرة من المستندات تضمنت حكماً سابقاً صادراً لمصلحتهم، وملف تنفيذ أظهر تعذر تحصيل المبلغ المقضي به، وتقارير رسمية بينت أن المدين أخفى وقائع جوهرية تتعلق بأعماله وأمواله. كما استندوا إلى مستندات تأسيس وتعديل شركات، وإلى إعلانات ومواد صحفية وبطاقات عمل ووثائق وكالة قانونية، قالوا إنها تؤكد أن السيطرة الفعلية على بعض الشركات استمرت بيد المدين رغم نقل الحصص رسمياً.
وأمام المحكمة، دفع المدعى عليه الأول بعدم سماع الدعوى لمرور الزمن، وبانعدام الخصومة، وببطلان التمثيل القانوني للشركات المدعية، وعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة. كما تمسك المدعى عليه الثاني بدفوع مماثلة، طالباً رفض الدعوى. إلا أن المحكمة رفضت هذه الدفوع جميعها، مؤكدة أن المدعى عليهما لم يقدما ما يثبت تاريخ علم الدائنين بسبب عدم نفاذ التصرفات حتى يبدأ منه احتساب التقادم الثلاثي، وأن الدعوى أقيمت خلال مدة تقل عن ثلاث سنوات من تاريخ العلم الذي تمسك به المدعون. كما رأت المحكمة أن الرخص التجارية والوكالات المقدمة في الملف كافية لإثبات الصفة وصحة التمثيل الإجرائي.

ونظراً لتشعب المعاملات وتعدد الشركات والحسابات البنكية، ندبت المحكمة لجنة خبرة حسابية باشرت فحصاً واسعاً للمستندات والعقود وكشوف الحساب والتصرفات العقارية. وانتهت الخبرة إلى نتائج مؤثرة في مسار الدعوى، إذ تبين لها أن بعض الشركات التي ظهرت فيها ملكيات مسجلة متفاوتة كانت في حقيقتها تدار بصورة مغايرة لنسب التملك الرسمية، من خلال توزيع أرباح لا يتوافق مع نسب الحصص، بما دل على وجود شركاء اسميين أو واجهات تنظيمية.
وفي الجانب العقاري، رصد التقرير نقل عدد من الوحدات من إحدى الشركات إلى زوجة المدين وأبنائه القصر، من بينها وحدات بلغت قيمها 585 ألفاً و592 ألفاً و575 ألفاً و597 ألفاً و600 ألف درهم، دون أن يظهر في الكشوف البنكية ما يفيد سداد أثمانها. كما تبين شراء أربع قطع أراضٍ مناصفة بين زوجة المدين وأحد شركائه بإجمالي 47.85 مليون درهم، فضلاً عن عمليات شراء وبيع ورهن وحدات نفذتها الزوجة بإجمالي تجاوز 124.5 مليون درهم.

كما رفضت المحكمة طلب بطلان التصرفات، وميزت بين البطلان وعدم النفاذ، معتبرة أن الدائنين ليسوا أطرافاً في هذه التصرفات، وأن حقهم يقتصر على طلب عدم نفاذها في مواجهتهم. وانتهت إلى أن ما وقع يمثل غشاً وتدليساً وتهريباً للأموال، فحكمت بتعويض قدره 85 مليون درهم، مع الفائدة القانونية والمصاريف وأتعاب المحاماة، فيما قضت بعدم قبول الدعوى المتقابلة لعدم سداد الرسم القضائي.


وقال المستشار القانوني المتخصص في قوانين الشركات والإفلاس والإعسار الدكتور علاء نصر، إن تقرير الخبرة أشار إلى أنه تم نقل حصة في إحدى شركات التطوير العقاري بمقابل لا يتجاوز 24 ألف درهم، وهو ما يساوي قيمة الحصة عند التأسيس فقط، رغم طبيعة النشاط العقاري للشركة. كما تبين أن المشتري نفسه كان قد مثل البائع بصفته وكيلاً عنه عند إبرام التصرف. وفي شركة أخرى، رصدت الخبرة تداولاً سريعاً للحصص بين شركة مملوكة للمدين وزوجته ثم عودتها إليه خلال فترة قصيرة، مقابل مبالغ محدودة لا تتناسب مع النشاط ولا مع القيمة الاقتصادية الفعلية.
وأضاف الدكتور علاء نصر أن التقرير أوضح أن المدعى عليهم لم يقدموا ما يثبت سداد أثمان الحصص أو انتقال الملكية الفعلي على الطبيعة، سواء من خلال كشوف الحساب أو الميزانيات أو موازين المراجعة، وأن انتقال الملكية ثبت في الأوراق الرسمية فقط. كما كشفت الخبرة استمرار تحويلات مالية بين حسابات الشركات وحسابات شخصية، ووجود مصروفات خاصة بالمدين وعائلته سددت من حسابات شركات، وتحويلات متبادلة بين شركات محل النزاع، بما عكس اختلاطاً واضحاً بين الذمم المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *