أصدرت المحكمة الابتدائية المدنية – الدائرة المصرفية في الشارقة حكماً في دعوى تجارية مقامة من أحد البنوك الشهيرة في الدولة ضد رجل خليجي، بعدم قبول الدعوى المصرفية المقامة من البنك، مع إلزامه بالرسوم والمصاريف، بعدما ثبت للمحكمة مخالفة البنك للضوابط القانونية والتنظيمية الخاصة بمنح القروض والتسهيلات الائتمانية للأفراد.
وتعود تفاصيل القضية إلى مطالبة البنك بإلزام المدعى عليه بسداد مبلغ مليونين و76 ألف درهم، قال إنها يمثل المديونية المستحقة على قرض شخصي، إضافة إلى فائدة تأخيرية بنسبة 6% سنوياً من تاريخ رفع الدعوى وحتى السداد التام، مع الرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة.
وأوضح البنك في صحيفة الدعوى أنه منح المدعى عليه في ديسمبر 2015 قرضاً شخصياً بقيمة 1,346,000 درهم بفائدة اتفاقية 6% سنوياً، بناءً على طلب تقدم به العميل، إلا أن الأخير أخل بالتزاماته التعاقدية وتوقف عن سداد الأقساط المستحقة، ما أدى – بحسب كشف الحساب – إلى تراكم المديونية حتى بلغت أكثر من مليوني درهم بحلول يوليو 2025.
وأرفق البنك ضمن مستنداته صورة عقد القرض الشخصي، وكشف حساب، وشهادة راتب للمدعى عليه، وشيك ضمان، إضافة إلى كشف حساب تفصيلي للقرض. وبسبب النزاع حول المديونية، قررت المحكمة ندب خبير مصرفي لفحص الحسابات والتأكد من صحة المبالغ المطالب بها وآلية احتساب الفوائد.
وباشر الخبير المصرفي مهمته، وانتهى في تقريره إلى أن المدعى عليه لم يكن منتظماً في سداد الأقساط المستحقة، وتوقف عن السداد في يناير 2020، بما يشكل إخلالاً بالتزاماته التعاقدية، كما ثبت للخبير أن إجمالي ما سدده العميل فعلياً بلغ 324,969.63 درهماً فقط منذ منح القرض وحتى تاريخ التوقف عن السداد.
وأوضح التقرير أن الفائدة الاتفاقية كانت بنسبة 6% سنوياً، وأنه جرى إعداد جدول تحليلي لإعادة احتساب المديونية والفوائد وفقاً للمبدأ المستقر لدى المحكمة الاتحادية العليا، والقاضي بتوجيه المدفوعات أولاً لسداد أصل الدين قبل الفوائد.
وخلص الخبير إلى أن الرصيد الفعلي المتبقي بذمة المدعى عليه حتى تاريخ آخر سداد في يناير 2020 بلغ 1,332,716.33 درهماً، وبعد احتساب الفائدة الاتفاقية البسيطة حتى تاريخ قيد الدعوى في سبتمبر 2025، أصبحت المديونية 1,678,300.13 درهماً، أي أقل بكثير من المبلغ الذي طالب به البنك في دعواه. كما أكد الخبير أن مسألة الفوائد التأخيرية بعد رفع الدعوى تظل من المسائل القانونية التي تترك تقديرها للمحكمة.
وعقب إيداع تقرير الخبرة، تمسك البنك بطلباته الأصلية وأصر على المطالبة بكامل مبلغ 2,075,968.83 درهماً، إضافة إلى الفوائد التأخيرية بنسبة 6% حتى السداد الكامل. وفي المقابل، دفع المدعى عليه بعدم قبول الدعوى استناداً إلى المادة 121 مكرر من المرسوم بقانون اتحادي رقم 14 لسنة 2018 بشأن المصرف المركزي وتنظيم المنشآت والأنشطة المالية، المعدل بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم 23 لسنة 2022، والتي تشترط حصول البنوك على ضمانات كافية تتناسب مع دخل العميل قبل منح التسهيلات الائتمانية، وإلا فلا تُقبل دعاوى المطالبة الناشئة عنها أمام القضاء.
وخلال بحث المحكمة لهذا الدفع، تبين لها من الأوراق أن البنك اعتمد في ضمان القرض على شيك ضمان غير مؤرخ بقيمة 1,346,000 درهم، مسحوب من حساب العميل لصالح البنك نفسه، دون وجود ضمانات أخرى تتناسب مع حجم التمويل الممنوح. كما استندت المحكمة إلى مبادئ مستقرة صادرة عن المحكمة الاتحادية العليا، أكدت أن الهدف من الأمر السامي الصادر عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بتاريخ 27 فبراير 1995 كان الحد من تفاقم الديون الناتجة عن الاقتراض غير المتوازن، وأنه يتعين على البنوك قبل منح أي قرض التأكد من تناسب دخل المقترض مع قيمة التمويل، والتحقق من قدرته الفعلية على السداد، والحصول على ضمانات كافية، وإلا تعين عدم قبول دعاوى المطالبة القضائية الناشئة عن تلك القروض.

وقال المستشار القانوني المتخصص في القوانين المالية والتجارية الدكتور علاء نصر، الممثل القانوني للمدين، إن المحكمة استعرضت نص المادة 121 مكرر المضافة إلى قانون المصرف المركزي، والتي أوجبت على المنشآت المالية المرخصة الحصول على ضمانات كافية لجميع أنواع التسهيلات المقدمة للأشخاص الطبيعيين، وربطت قبول الدعاوى القضائية الخاصة بهذه التسهيلات بمدى توافر تلك الضمانات.
وأضاف علاء نصر: من أبرز ما استند إليه الحكم أن شهادة راتب المدعى عليه أثبتت أن دخله الشهري الإجمالي يبلغ نحو 19,125 درهماً فقط، في حين أن تعليمات المصرف المركزي تقضي بألا تتجاوز قيمة القرض 20 ضعف الراتب، أي ما يعادل تقريباً 382,500 درهم. إلا أن البنك منح العميل قرضاً بقيمة 1,346,000 درهم، وهو ما اعتبرته المحكمة تمويلاً يفوق الحد المسموح به بأكثر من 70 ضعف الراتب تقريباً، بما يخالف الضوابط المصرفية والأمر السامي المنظم لاقتراض الأفراد.
وأوضح أن البنك لم يثبت للمحكمة حصوله على ضمانات حقيقية وكافية تتناسب مع قيمة التمويل، وأن مجرد الحصول على شيك ضمان بالقيمة نفسها لا يحقق الغاية القانونية المطلوبة، خاصة مع عدم وجود توازن بين مبلغ القرض، والدخل الشهري للمقترض، والضمانات المقدمة. كما رأت المحكمة أن منح هذا التمويل الضخم لشخص بدخل محدود يمثل مخالفة صريحة للقواعد المصرفية الهادفة لحماية الأفراد من التورط في مديونيات تفوق قدرتهم المالية.
وانتهت المحكمة في حيثياتها إلى أن البنك خالف الأمر السامي والقواعد التنظيمية الخاصة بالتسهيلات الائتمانية، ومنح المدعى عليه قرضاً دون التحقق الكافي من مدى تناسبه مع دخله أو ضمان قدرته على السداد، الأمر الذي يفقد البنك حقه في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بهذا الدين. وبناءً عليه، قضت المحكمة حضورياً بعدم قبول الدعوى، مع إلزام البنك رافع الدعوى بالرسوم والمصاريف القضائية.
