مع تزايد الضغوط الاقتصادية وتقلبات الأسواق، يواجه عدد من أصحاب الشركات تساؤلاً بالغ الحساسية: متى يتحول التعثر المالي من أزمة عابرة يمكن تجاوزها إلى مرحلة تستدعي اتخاذ قرار قانوني منظم مثل إعادة الهيكلة أو إشهار الإفلاس؟ وفي هذا السياق، أوضح المستشار القانوني المتخصص في قوانين إفلاس الشركات وإعسار الأفراد في الإمارات الدكتور علاء نصر أن قانون الإفلاس الإماراتي لم يُشرّع لمعاقبة الشركات المتعثرة، بل لتنظيم إنقاذها أو إدارة خروجها من السوق بطريقة تحمي الحقوق وتحدّ من الخسائر.

وأكد الدكتور علاء نصر أن الخطأ الأكثر شيوعاً لدى إدارات الشركات يتمثل في تأخير طلب المشورة القانونية، حيث تنتظر بعض الإدارات حتى تصل الأزمة إلى مرحلة الانهيار الكامل، بينما يتيح القانون مسارات مبكرة لمعالجة التعثر قبل تفاقمه. وأضاف أن هناك مؤشرات قانونية ومالية واضحة إذا ظهرت مجتمعة فإنها تستدعي التحرك الفوري وتقييم الخيارات القانونية المتاحة.
وأوضح أن أولى هذه العلامات تتمثل في التوقف المتكرر عن سداد الديون عند استحقاقها، خاصة تجاه البنوك أو الموردين الرئيسيين، مشيراً إلى أن القضاء في الإمارات اعتبر التوقف عن السداد المرتبط باضطراب المركز المالي مؤشراً جوهرياً قد يفتح الباب لإجراءات الإفلاس متى توافرت شروطه. فالتأخر المتكرر في السداد لا يعد مشكلة تشغيلية عادية، بل إشارة تستوجب مراجعة قانونية وهيكلية للوضع المالي.
وأشار إلى أن تضخم الالتزامات قصيرة الأجل مقابل سيولة ضعيفة يمثل علامة إنذار مبكرة أخرى، حيث تبدأ الشركة في الاعتماد على قروض جديدة لسداد التزامات قديمة أو طلب تمديدات متكررة دون خطة إصلاح واضحة. في هذه المرحلة، يصبح التعثر هيكلياً وليس مؤقتاً، ويستلزم معالجة قانونية ومالية متزامنة قبل فقدان السيطرة على التدفقات النقدية.
وأضاف الدكتور علاء نصر أن تعثر الرواتب أو الرسوم الحكومية أو الإيجارات يعد مؤشراً خطيراً، لأنه لا يؤثر فقط على التشغيل، بل يؤدي إلى نزاعات قانونية وإجراءات تنفيذية قد تضر بسمعة الشركة ومركزها الائتماني. وهنا تبرز أهمية ترتيب الأولويات المالية وإعداد ملف تعثر متكامل بالتعاون مع مستشارين قانونيين وماليين لتفادي تصاعد النزاعات.
كما لفت إلى أن تزايد منازعات الشيكات غالباً ما يظهر في مراحل متقدمة من التعثر، إذ تستخدم الشركات الشيكات كوسيلة تأجيل للسداد، ثم تتحول لاحقاً إلى نزاعات متعددة الأطراف. وأوضح أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر القانونية واختيار المسار الأنسب ضمن إجراءات الإعسار أو الإفلاس بما يحافظ على التوازن بين الالتزامات المدنية والمسؤوليات القانونية.
وبيّن الدكتور علاء نصر أن فقدان القدرة على الحصول على تمويل أو تشدد البنوك في شروط الإقراض يعد مؤشراً مهماً على تراجع الثقة الائتمانية في قدرة الشركة على الاستمرار، خاصة عندما ترتفع الضمانات المطلوبة أو تصبح تكلفة التمويل مرهقة للتشغيل. في هذه الحالة، ينبغي دراسة حلول قانونية منظمة تشمل التسويات البنكية أو إعادة هيكلة الديون.
وأشار كذلك إلى أن تزايد الدعاوى الفردية والتنفيذات والحجوزات ضد الشركة يمثل مرحلة حرجة، إذ يؤدي إلى سباق غير منظم بين الدائنين على أصول الشركة، ما يهدد استمرارية النشاط. وتكمن أهمية إجراءات الإفلاس هنا في توحيد المسار القانوني وضمان توزيع عادل ومنظم للحقوق وفق إشراف قضائي.
وأوضح أن العلامة الأهم ربما تكون غياب خطة واقعية لإعادة التنظيم المالي، حتى لو امتلكت الشركة أصولاً ذات قيمة. فعدم وجود إدارة مالية قادرة على تحويل الأصول إلى سيولة أو خفض الالتزامات يجعل استمرار النشاط مخاطرة قد تضاعف الخسائر. وفي هذه المرحلة يصبح اللجوء إلى إعادة التنظيم أو إجراءات الإفلاس قراراً وقائياً وليس إعلان فشل.
واختتم الدكتور علاء نصر بالتأكيد على أن اتخاذ قرار الإفلاس في الوقت المناسب قد يكون خطوة استراتيجية لحماية الشركة ومديريها والدائنين على حد سواء، مشيراً إلى أن التشريعات الإماراتية الحديثة صُممت لإعطاء الشركات فرصة لإعادة التوازن المالي ضمن إطار قانوني منظم، وأن المبادرة المبكرة بطلب الاستشارة القانونية تمنح الشركات خيارات أوسع وفرصاً أفضل للحفاظ على النشاط أو الخروج من السوق بأقل الأضرار الممكنة.
