محكمة الشارقة تلغي أمر ضبط وإحضار بحق مدين بعد بدء إجراءات الإعسار

أمرت محكمة التنفيذ المدنية في الشارقة بإلغاء أمر الضبط والإحضار الصادر بحق أحد المدينين، وذلك عقب دخوله في إجراءات الإعسار وفق الأطر القانونية المعتمدة، في خطوة تعكس التوازن الذي يحرص عليه النظام القضائي بين صون حقوق الدائنين وحماية المدين حسن النية من الإجراءات الجزائية متى توافرت الشروط النظامية التي تبرر ذلك.
ويأتي القرار في سياق تطبيق قانون الإعسار والتشريعات المنظمة لحالات التعثر المالي للأفراد، والتي تهدف إلى منح المتعثر فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه المالية بعيداً عن الضغوط الإجرائية التي قد تعرقل قدرته على السداد أو التسوية.
وبحسب تفاصيل الطلب المنظور أمام محكمة التنفيذ، تقدم المدين بطلب رسمي لإلغاء أمر القبض وكفّ البحث الصادر ضده على ذمة قضية تنفيذ مدنية، مستنداً إلى صدور حكم قضائي سابق بفتح إجراءات إعساره أمام المحكمة المختصة، وهو ما اعتبرته الجهة القضائية سبباً كافياً لإعادة النظر في التدابير التنفيذية المقيدة للحرية. وأوضحت المحكمة في حيثيات قرارها أن ثبوت افتتاح ملف إعسار للمدين يترتب عليه قانوناً وقف عدد من الإجراءات التنفيذية التي قد تؤثر سلباً في فرص إعادة تنظيم أوضاعه المالية، شريطة التزامه بالمسار القضائي المحدد وتعاونه مع الجهات المختصة.


وقال المستشار القانوني المتخصص في قضايا الإعسار والإفلاس الدكتور علاء نصر، الممثل القانوني للمدين، إن القرار يعكس توجهاً قضائياً يرسخ مبدأ المعالجة القانونية للتعثر المالي بوصفه مسألة مدنية تنظيمية، وليس إجراءً عقابياً، لاسيما عندما يثبت أن المدين سلك الطريق النظامي لطلب الإعسار وقدم ما يفيد عجزه الفعلي عن الوفاء بالتزاماته في المواعيد المحددة. كما يؤكد أن أوامر الضبط والإحضار، وإن كانت أدوات تنفيذية مشروعة لضمان جدية الالتزام، إلا أنها تخضع للمراجعة متى ظهرت ظروف قانونية جديدة تستوجب التخفيف أو الإلغاء، تحقيقاً للعدالة الإجرائية ومنعاً لتفاقم الأعباء على الأطراف المعنية.
وأوضح المستشار القانوني الدكتور علاء نصر أن قانون الإعسار في دولة الإمارات يُعد من أهم التشريعات التي أسست إطاراً متوازناً للتعامل مع تعثر الأفراد مالياً، مبيناً أن جوهر هذا القانون يقوم على إعادة التأهيل المالي للمدين ومنحه فرصة واقعية لإدارة ديونه تحت إشراف قضائي منظم، بدلاً من تركه عرضة لإجراءات متفرقة قد تزيد من تعقيد وضعه. وأضاف أن من أبرز مزايا هذا القانون أنه يتيح للمدين التقدم بطلب رسمي لإشهار إعساره متى ثبت عجزه عن السداد، وهو ما يفتح الباب أمام حلول قانونية تشمل إعادة جدولة الديون، وإيقاف المطالبات الفردية مؤقتاً، ووضع خطة سداد تراعي قدرته المالية الفعلية.
وأشار الدكتور علاء نصر إلى أن من الآثار العملية المهمة لقانون الإعسار إمكانية وقف أو إلغاء أوامر الضبط والإحضار المرتبطة بديون مدنية بحتة، متى صدر حكم بفتح إجراءات الإعسار وتبين للمحكمة المختصة أن المدين يتعاون بجدية مع متطلبات الدعوى، وبيّن أن القانون يوازن بين مصلحة الدائن في استيفاء حقه ومصلحة المدين في تجنب القيود التي قد تمنعه من العمل أو الإنتاج، وهو ما يعزز فرص التسوية الواقعية بدلاً من الدخول في دوامات تنفيذية طويلة.
وأضاف أن التطبيق السليم لقانون الإعسار يسهم في تقليل النزاعات التنفيذية ويحد من التبعات الاجتماعية والاقتصادية للتعثر المالي، حيث يوفر مساراً واضحاً لإعادة الهيكلة الشخصية ويمنح الأطراف أدوات قانونية عملية لتسوية الديون دون اللجوء إلى إجراءات مشددة قد لا تحقق الغاية المرجوة. كما لفت إلى أن القضاء الإماراتي يولي أهمية كبيرة لمبدأ حسن النية والتعاون الكامل من جانب المدين، إذ إن الاستفادة من مزايا القانون ترتبط بمدى التزامه بالإفصاح عن أصوله ومصادر دخله وتقديم بيانات دقيقة عن وضعه المالي، الأمر الذي يرسخ الثقة في الآليات القانونية ويعزز استقرار المعاملات.
ولفت إلى أن هذا القرار القضائي مثال عملي على فاعلية التشريعات المالية في تحقيق التوازن بين إنفاذ الأحكام وحماية الأفراد من التداعيات غير الضرورية للتعثر، بما يدعم بيئة قانونية مرنة قادرة على استيعاب المتغيرات الاقتصادية ويؤكد أن العدالة لا تقتصر على التنفيذ الصارم، بل تمتد إلى تمكين الأطراف من الوصول إلى حلول مستدامة تعيد الاستقرار المالي وتضمن الحقوق ضمن إطار قانوني منظم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *