قضت المحكمة التجارية في دبي بعدم جواز نظر دعوى أقامها كفيلان سابقان ضد أحد البنوك للمطالبة ببراءة ذمتهما من كفالة تسهيلات مصرفية منحت لشركة مقاولات بقيمة تتجاوز 394 مليون درهم، مؤكدة أن النزاع سبق أن عُرض على القضاء وتم الفصل فيه بأحكام نهائية اكتسبت قوة الأمر المقضي، بما يمنع إعادة طرحه من جديد أمام المحاكم.
وتعود وقائع القضية إلى اتفاقية تسهيلات مصرفية أبرمت في عام 2016 بين البنك والشركة، حصلت الشركة بموجبها على مجموعة من التسهيلات الائتمانية شملت قروضاً وخطابات ضمان ودفعات مقدمة، ضمن سقف تمويلي بلغ 394.7 مليون درهم، في حين قدم عدد من الأشخاص ضمانات وكفالات شخصية لتغطية التزامات الشركة الناشئة عن الاتفاقية.
وبحسب أوراق الدعوى، طالب المدعيان بإصدار حكم يقضي ببراءة ذمتهما من الكفالة المصرفية المرتبطة بالتسهيلات الممنوحة للشركة، مع إلزام البنك برد أصل شيك الضمان بقيمة 434 درهم، كان قد تم تحريره كضمان للالتزامات الناشئة عن اتفاقية التسهيلات.
وأشار المدعيان إلى أنهما حصلا في عام 2017 على براءتي ذمة صادرتين عن البنك تفيدان بإخلاء مسؤوليتهما من الكفالة، واعتبرا أن هذين المستندين أنهيا أي التزام شخصي مترتب عليهما تجاه البنك. واستندا في دعواهما إلى مجموعة من الأحكام والإجراءات القضائية اللاحقة التي قالا إنها تؤكد سلامة موقفهما القانوني.
وأظهرت المستندات أن النزاع بين الأطراف يمتد إلى سنوات عدة، حيث سبق للشركة أن أقامت دعوى تجارية ضد البنك عام 2019 مطالبة بإعادة احتساب المبالغ والفوائد والمصاريف المرتبطة بالتسهيلات الممنوحة لها، كما طالبت بالتعويض عن أضرار قالت إنها لحقت بها نتيجة وقف بعض التسهيلات المصرفية.
وفي المقابل، تقدم البنك بدعوى متقابلة طالب فيها بإلزام الشركة وعدد من الكفلاء، ومن بينهم المدعيان، بسداد المبالغ المستحقة عليه بموجب اتفاقية التسهيلات. وخلال نظر تلك الدعوى تمسك المدعيان ببراءتي الذمة الصادرتين لهما في عام 2017 باعتبارهما دليلاً على انتهاء الكفالة.
وخلال مرحلة الاستئناف، طعن البنك على براءتي الذمة بالتزوير، فقررت المحكمة إحالة المستندين إلى المختبر الجنائي لفحصهما. وانتهى التقرير الفني إلى أن الختم الممهور به المستندان لا يعود إلى الختم الصحيح للبنك، وهو ما دفع المحكمة إلى استبعاد المستندين وعدم التعويل عليهما عند الفصل في النزاع.
وعقب ذلك أصدرت محكمة الاستئناف حكمها بتأييد ما انتهت إليه محكمة أول درجة من إلزام الشركة والكفلاء بالتضامن والتكافل بسداد مبلغ 513 مليون درهم، إضافة إلى الفائدة القانونية بواقع 5% سنوياً اعتباراً من يوليو 2019 وحتى تمام السداد، ليصبح الحكم نهائياً بعد استكمال مراحل الطعن.
وخلال الدعوى الجديدة، أشار المدعيان إلى صدور أحكام جزائية بالبراءة في قضايا مرتبطة ببراءتي الذمة، كما استندا إلى أحكام مدنية أخرى قضت بصحة توقيع موظفين بالبنك على بعض المستندات المقدمة في النزاع. غير أن البنك دفع بعدم جواز نظر الدعوى، موضحاً أن جوهر المسألة سبق بحثه والفصل فيه نهائياً في القضية التجارية السابقة.
كما تمسك البنك بأن المديونية محل النزاع أصبحت معتمدة في إجراءات الإعسار والإفلاس الخاصة بالمدعيين، مشيراً إلى صدور حكم بإشهار إعسار أحدهما وحكم آخر بإشهار إفلاس الآخر، فضلاً عن إدراج البنك ضمن قوائم الدائنين المعتمدة في تلك الإجراءات.
وبعد دراسة الملف بكامل مستنداته والأحكام السابقة الصادرة بين الأطراف أنفسهم، خلصت المحكمة إلى أن المسألة الأساسية التي تقوم عليها الدعوى الحالية سبق أن كانت محل مناقشة وفحص أمام القضاء التجاري، وأن الأحكام النهائية الصادرة آنذاك حسمت بصورة قاطعة مدى مسؤولية المدعيين عن الكفالة المرتبطة بالتسهيلات المصرفية.
وأكدت المحكمة في أسباب حكمها أن اختلاف الطلبات أو الاستناد إلى أحكام لاحقة لا يغير من حقيقة أن جوهر النزاع تم الفصل فيه بحكم نهائي وبات، الأمر الذي يمنع إعادة طرحه أمام القضاء مرة أخرى. وبناءً عليه قضت بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها، وألزمت المدعيين بالمصاريف القضائية وألف درهم مقابل أتعاب المحاماة.

وقال المستشار القانوني المتخصص في القوانين المالية والتجارية وقوانين الشركات الدكتور علاء نصر، إن الحكم يسلط الضوء على الأهمية الكبيرة لمبدأ حجية الأحكام النهائية في استقرار المعاملات المالية والمصرفية، موضحاً أن هذا المبدأ يمنع إعادة مناقشة النزاع ذاته متى تم الفصل فيه بحكم بات بين الأطراف أنفسهم، وأن الغاية من ذلك هي تحقيق اليقين القانوني وحماية المراكز القانونية التي استقرت بموجب أحكام نهائية.
وأضاف الدكتور علاء نصر أن المحكمة ركزت على أن القضية الحالية تستند إلى ذات المسألة الجوهرية التي سبق حسمها في الدعوى التجارية السابقة، وهي مدى استمرار مسؤولية الكفلاء عن التسهيلات المصرفية، مشيراً إلى أن القانون يفرق بين الأحكام التي تتناول مسائل فرعية أو إجرائية وبين الحكم النهائي الذي يفصل في أصل النزاع، حيث تبقى للحكم الأخير حجية تمنع إعادة طرح الموضوع ذاته أمام القضاء مهما تعددت الدعاوى أو تغيرت الطلبات المرتبطة به.
